محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
204
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وقد جمع - سبحانه - في هذه الآية الشريفة - لمن تأملها - : بينَ الوجوه الثلاثة المتقدمة ، فأشار إلى الأول ، وهو العجز عن مثله ، بقوله : { وما يستطيعون } ، وإلى الثاني ، وهو جهلُهُم بالغيب الذي فيه ، بقوله : { إنهم عن السمع لمعزولون } ، وإلى الثالث ، وهو أنَّهُ لا يصدر منهم ما فيه الإرشاد إلى الخير ، والمنع عن الشر ، بقوله : { وما يَنْبغي لهم } . وهذا الوجهُ الثالث ، لم يتعرَّضْ أحدٌ لذكره - فيما علمتُ - وقد نبَّهَ الله - سبحانه - عليه ، في قوله تعالى : { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى } [ الأنعام : 91 ] . لأن كتاب موسى - عليه السلام - غيرُ معجز ، من جهة البلاغة ، ولا يَعْرفُ المخاطبون - المحتجُّ عليهم ذلك - ما فيه من العيوب ، معرفةً ضرورية بالتواترت لبُعْدهِمْ عن المعرفة الظنيَّة ؛ كيف الضرورية ؟ ! ، ولكنَّهم يعلمون جملةً بالتواتر : أنه مُشْتَملٌ على المنع من المفاسد ، والأمْرِ بالمصالح ، وهذا لا يكون من شيطان ، لأنه نقيضٌ قصده ، ولا سيما وفيه : سبٌّ الشياطين ، ولعنهم ، ووعيدُهُم ، ولا يكون من ملكٍ ولا من صالح ، لأن الكذِبَ على العالم ، وإلزامهم المشاقِّ العظيمة ، من غير ثواب ، مما يُناقِضُ معنى المُلْكِ ، ومعنى الصلاح . فمنْ فعَل مثل ذلك ، فهو شيطان ، فكيف نفرِضُ أنه ملك أو صالحٌ ؟ ! هذا خلافٌ ، والضرورة المانعةُ عن صدور هذا عن الشياطين عاديةٌ لا أوليةٌ . وكثيرٌ مِنَ النُّظار لا يعرف الضروريَّ العادي ، ويغلَطُ فيه لإمكان خلافه بالنظَرِ إلى مجرد الإمكان . ولم يَعْلم أن العلمَ فيه إنما يتعلق بعدم وقوع الممكن ، لا بعدم إمكانِه ، كما أنَّا نعلم عند دخول منازلنا : أن الله